الرئيسية  |  أخبار ومستجدات  |  مقالات ومتابعات  |  مؤلّفات وتقارير  |  رسائل  |  ذرَّات  |  وسائط
حلُّ الإشكالِ (الرد على أطروحة الشيخ مرتضى فرج حول التقيّة والتولي والتبرّي)

القسم : مقالات ومتابعات   ||   التاريخ : 2015-08-25   ||   القرّاء : 1060   ||   طباعة

باسمهِ تقدّست أسماؤه

توطئة:
أَثار الشيخ مرتضى فرج في خطبة الجمعة (١٣/٣/٢٠١٥) موضوع التقيّةِ والتولي والتبرّي، وحدد مُجتهداً ضابطةً لا نكادُ نَجدُ لها رعايةً من قبل عُلمائنا الأبرار المتقدمين منهم والمُتأخرين إن أُلقيّ النظر في رسائلهم الفقهيّة بخصوص التقيّة.
وارتأيت خطَ ردٍ يتسمُ بالعلميّة دون العاطفيّة فيما طُرح في خطبة الشيخ ”الجُمعيّة“؛ وذلك لأمرين؛
أولهما؛ ردُّ ما قَد يُتوهم بأنهُ صوابٌ؛ فيبني بذلك عوام الناس أسلوبهم الدعوي التبليغي على أساس موضوع التقيّة وغلبتها على موضوع الجهاد اللساني -إن صحَ التعبير- المُتمثّل بالتبري والتولي.
وثانيهما؛ لإعادةِ الحالة الصحيّة وذلك بخلقِ أجواء النقاش العلمي بالأخذِّ والردِّ، والتفنيد والنقد.

المبحث الأوّل: مُناقشة منشأ النزاع
(ألف): تأصيلاً وتقعيداً؛ التقيّة قاعدة فقهيّة جائزة في الأصل، يُراد منها درء ضرر مُتوقّع الوقوع مِمن يُخاف سطوته وغواؤه.
يقول السيّد الخوئي -رضوان الله عليه-: «وأما التقيّة بالمعنى الأعم فهي في الأصل محكومة بالجواز والحلية، وذلك لقاعدة نفي الضرر». (التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج٥، كتاب الطهارة).
وتنقسّم التقيّة على الأحكام الخمسة بحسب حكمها التكليفي؛ فتارة يكونُ حكمها الوجوب، ومنها ما هو مُحرّم، ومنها الراجح والمرجوح، وما يتساوى طرفاهُ جوازاً.
وقد أحرز ذلك الشيخ الأعظم الأنصاري -رضوان الله عليه- في رسالتهِ في التقيّة المَضمومة بكتاب المكاسب المحرّمة حيث يقول هناك: «الواجب منها: ما كان لدفع الضرر الواجب فعلاً، وأمثلتهُ كثيرة. والمستحب: ما كان فيه التحرّز عن معارض الضرر، بأن يكون تركهُ مُفضياً تدريجاً إلى حصول الضرر، كتركِ المداراة مع العامة وهجرهم في المعاشرة في بلادهم فإنه ينجرّ غالباً إلى حصول المباينة الموجب لتضرره منهم . والمباح: ما كان التحرّز عن الضرر وفعله مساوياً في نظر الشارع، كالتقية في إظهار كلمة الكفر -على ما ذكره جمع من الأصحاب- ويدل عليه الخبر الوارد في رجُليْن أُخذا بالكوفة وأُمرا بسب أمير المؤمنين عليه السلام. والمكروه: ما كان تركها وتحمّل الضرر أولى من فعله، كما ذكر ذلك بعضهم في إظهار كلمة الكفر، وأن الأولى تركها ممن يقتدي به الناس إعلاءً لكلمة الإسلام. والمراد بالمكروه حينئذ ما يكون ضده أفضل. والمحرم منه: ما كان في الدماء». (المكاسب، ص٣٢٠)
وكما أفادَ تعضيداً الشهيد الأول محمد العاملي -رضوان الله عليه- في القواعدِ والفرائد: «أن المستحب إذا كان لا يخاف ضرراً عاجلاً، ويتوهم ضرراً آجلاً، أو ضرراً سهلاً، أو كان تقية في المستحب، كالترتيب في تسبيح الزهراء وترك بعض فصول الأذان. والمكروه: التقية في المستحب حيث لا ضرر عاجلاً ولا آجلاً، ويخاف منه الالتباس على عوام المذهب. والحرام: التقية حيث يؤمن الضرر عاجلاً وآجلاً، أو في قتل مسلم. والمباح: التقية في بعض المباحات التي يرجّحها العامة ولا يصل بتركها ضرر». (القواعد والفوائد، ج٢، ص١٥٨).
ففَرضُ التقيّةِ لحقنِّ الدم، فإذا بلغها فلا تقيّة، كما في قول الصادق جعفر عليهِ السلام: «إنما جُعلت التقية ليُحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية، وأيّم الله لو دُعيتم لتنصرونا لقُلتم: لا نفعل! إنما نتقي! ولكانت التقية أحبّ إليكم من آبائكم وأمهاتكم». (التهذيب، ج٦، ص١٧٢).
ويقول السيّد الخوئي: «بل الظاهر مما ورد من أن التقيّة شرعت ليحقن بها الدم فاذا بلغت التقيّة الدم فلا  تقيّة أن التقيّة جارية في كل شيء سوى القتل». (التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج٥، كتاب الطهارة).
(ب): تنقيحاً؛ ومثالها أكلُ الميتةِ، وصلاة القصر -على نحوٍ دقيق-، فهي بالدرجةِ الأولى -نظراً لمنطلق تشريعها- رخصّة شرعيّة، يُمكن هجرها والكفّ عنها -دون نقض ما يلزم وجوبها-.
فأما أكلُّ الميتةِ؛ فحيثُ الأصل الحُرمّة، ومن حيث الاستثناء الجواز عند الاضطرار؛ لقولهِ -سبحانه-: «فَمن اضطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثم عَلَيهِ».
وكصلاة القصر؛ حيثُ يلزم من تحققها -في مفروض الفروض- تحقق ضوابطها، فإذا لمْ يَقطع المُكلَف المسافة الشرعيّة، مُصاحباً معها النيّة في الإقامة ما دون العشرةِ أيام؛ لا يتحقق جوازها، بل تنقلب عليه بالحُرمّةِ والتأثيم وعدم القبول إن شَرعَ بها!
فالقضيّة بالدرجةِ الأولى ناظرة إلى الضابطةِ في الاستعمال، ومن دونها ينتفي جواز الاستخدام، وهذا ما يتوجب بيانهُ وما سنُقررهُ ونبني عليه مناط الاستنباط.
(ج): موطن الالتباس:
علَّ المُتسبب في وقوع بعض الجهابذِ -بشكلٍ نسبي- فضلاً عن الابتدائيين في الحيرةِ هي كثرة الروايات وتعدد ألوانها واختلاف توجيهاتها، فمنها ما قد يُتَوَهم منه الوجوب، وحرمة الترك، وبشاعةِ صورة مُنقضها عندهم عليهم السلام، ومنها ما تحثُ على الجهر والمُصادمة، والمواجهة والتهييج والدفع نحو قول كلمةِ الحقِّ عند سلطان جائر!
- الطائفةُ الأولى من الروايات:
كقول الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «الحسنةُ التقيّة، والسيئة الإذاعة».
وقولهِ: «لا تُخاصموا الناس! فإنّ الناس لو استطاعوا أن يحبونا لأحبونا، إنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا يوم أخذ ميثاق النبيين، فلا يزيد فيهم أحدٌ أبداً، ولا ينقص منهم أحدٌ أبداً».
وما جاءَ في صحيحة ابن أبي يعفور: «إنَّ العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين الله عزّ وجل به فيما بينه وبينه، فيكون له عزاً في الدنيا ونوراً في الآخرة، وإنَّ العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلاً في الدنيا وينزع الله عزّ وجل ذلك النور منه».
وما رواهُ الكليني أيضاً في كافيه، عن حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام عن أبيهِ الباقر عليه السلام قال: «لا والله ما على وجه الارض شيء أحب إلي من التقيّة، يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقيّة وضعه الله».
وما رواهُ أيضاً عن الصادق عليه السلام: «ليسَ منا من لم يلزم التقيّة».
وعلى رأس ذلك ما قاله -سبحانه- في كتابهِ الكريم: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم».
- الطائفةُ الثانيّة من الروايات:
ومنها وصية الإمام أبي جعفر الباقر عليهِ السلام: «صكوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم، فإن اتعظوا وإلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم».
وما جاءَ في صحيحة داود بن سرحان عن الإمام الصادق عليهِ السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم ، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة».
- آلةُ الدرايةِ والرواية هي المُرجّحة والحاكمة:
أما الأخذُ بطائفةٍ من الروايات دون مراعاة الطائفةِ الأخرى التي تحثُّ على الجهر بالتبري فذلك مما لا يتناسب مع البحث العلمي الدقيق.
فلذا؛ يتوجب الفصل بقطع جهيزة قول كُل خطيب باستعمال العلوم التي نَعرفُ منها ترجيح الروايات وتحقيق الالتئام التوافقي بينها، دون إنكار أيٍّ منها؛ فإنَّ الإنكار هو الكفر بالله العظيم!
وليسَ المجالُ يسع هاهنا للتفصيل في تقابل الدليلين على وجه الممانعة، فذاك علمٌ يُدّرس في سنوات، ولتطبيق قواعدهِ نحتاج لتأنٍ!
ولكن الكلام على نحو الإجمال فيما يُشكَل علينا بروايات غافلين عن الطائفة الثانية التي تُقابلها بالندّ؛ فتكليفنا هنا بيان الوجه الآخر المتواري؛ ليتضح المعنى؛ فبعلمي الرواية والدراية، والرجال -إن استلزم- نعرفُ طريق التوفيق بين الطائفتين، وفنُ المُحقق البارع يبرز هنا.

المبحث الثاني: نقضاً وإبراماً للمطروح المُستَدل بهِ
- المورد الأوّل: في أنَّ الإيمان يستوجبُ في حصولهِ العمل بالتقيّة
استدَلَّ في خطبتهِ برواية يرويها الكليني عن أبي عمر الأعجمي قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقيّة ولا دين لمن لا تقيّة له». (الكافي، ج٢، ص٢١٧).
أقول: إنَّ الأخذَ بالروايات وبترِ تتمتها لتدعيم توجهٍ ورأي على نحو من استدل سالفاً بحُرمة الإيتاء بالصلاةِ في قولهِ: «ولاتَقربوا الصلاة»، فتلكَ خيانة علميّة لا مُبررَ لكونها! فإن عذرنا وقلنا بسقوطها سهواً منه؛ فتلك مصيبةٌ، وإن كان مُتعمداً فالمصيبةُ أعظم!
إنَّ تتمّة الرواية تُعضِدُ ما نَذهبُ إليه، في أنَّ التقيّة ليست في كُلِّ شيء أو في مُعظم الدين كما قد يُفهم من مُستهل الرواية، فقد قال عليهِ السلام تتمّةً: «والتقيّة في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين».
ويعلمُ الفقهاء والمُجتهدون أهميّة الاستثناءات والتبعيضات في الاستنباط؛ لأنها تُشكِّل حكماً مُغايراً مع حذفها.
تصحيحاً؛ إنَّ هذهِ الرواية تُحدثنا عن الكمِّ العددي في موارد جواز استخدام التقيّة لا الكيف، ومع هذا الكمّ الذي يُشكّل التسعة أعشار إلا أنَّ الإمام قد استثنى باستثناءات تَكشفُ لنا ما يُحرَم فيهِ التقيّة وعليها قياساً -منطقياً- نَعرفُ البقيّة .
وقد أوصدَّ عليهِ السلام الباب باستثنائهِ، حتى لا يُتوهم من قولهِ جواز استعمال التقيّة من غير لازمةٍ ولا ضرورة!
وأما قوله عليهِ السلام: «ولا دين لمن لا تقيّة له»؛ فالمعنى الظاهر هو انتفاء إيمان من يدّعيه دون الاعتقاد بمشروعيّة التقيّة؛ كونها الحكم المائز بيننا وبين بقيّة المذاهب، كقولهِ عليهِ السلام: «ليس منّا من لم يقل بمتعتنا، ويؤمن برجعتنا». (المسائل السروية للشيخ المفيد، ص٣٠).
حصيلة الكلام؛ أنّ التسعة أعشار هي في الجزئيات اليسيرة -إجمالاً-. يقول الحرّ العاملي -رضوان الله عليه- في الفوائد الطوسية: «ألا ترى أنهم عليهم السلام كثيرا ما كانوا يعملون بالتقيّة في جزئيات يسيرة من المستحبات والمكروهات ويتركون التقية في الكليات كذم أئمة الضلال ولعنهم».
نقضاً؛ فإن كانَ السياق -على ظهورهِ- يساوي في الحكم إقصاء غير العامل بالتقيّة عن الإيمان؛ فلأي شيء قسّموها الفقهاء على الأحكام التكليفيّة الخمسة، فلا ضرورةَ لذلك بعدئذ، إذ تكون واجبةً في الأصل، وتجري مجرى العزيمةِ لا الرخصة؟!
- المورد الثاني: الاعتناءُ بالظروف الاجتماعيّة أوجب، فعلّ التركُ يستوجب النزف!
يقول: ”وهنا يطرح سؤال ثاني: ما هي ضوابط التصريح بالتولي والتبري؟ الجواب: الظروف الاجتماعية هي التي تحدد الموازنة بين أهمية كشف الحقائق وبيان الهدى بالقدر الميسور من ناحية وضرورة عدم استفزاز الآخر قدر الإمكان من ناحية أخرى“.
أقول: لم أجد لتلك الضابطة المذكورة رعايةً من قبل علمائنا، واهتماماً بها من روايات أهل البيت عليهم السلام في قِبال الاهتمام بمصلحة الدين أولاً وأخيراً.
وليس من الصحيح الاستدلال بالتزاحم بين وجوب بيان الحقّ وإظهار البراءة، والحرمة في الإضرار بالآخرين وفق القاعدة الفقهية ”لا ضرر ولا ضِرار“ حتى يُقال بتقدم الأهم على المهم.
فحيثُ الاستدلال بالتزاحم؛ فمن حيثُ الأهم فالإظهار لكونه يُبعد الضرر عن الدين وهو الأولى والأقوى، وحيث الاستدلال بقاعدة ”الضرر والضرار“؛ فلا تحقق لها لكون الضِرار سيتحقق في جنب آخر وهو جنب الضِرار بالدين قبال المتدين، فمع رُجحان الأول لقوة المطلوبية؛ تسقط تبعاً ضابطة الظروف الاجتماعية المُستَدل بها.
ولسنا ننكر بأنّ الجهر بالحقّ، وإظهار البراءة من أعداء الله ليس من نتائجه العرضيّة التسبب في الاضطراب الاجتماعي والتشنّج الطائفي، إنّ ذلك مُتحقق دون شك، ولكن التجربة كشفت لنا بأنها حالة مؤقتة كونها صدمة لا أكثر، وسرعان ما نجد التأقلم مع الأطروحات الصريحة.

المبحثُ الثالث: وفيهِ كلام، وقراءةِ متأنيّة للنصوص
- المورد الأوّل: الضابطةُ هي الحاكمة أم الاستذواق؟
من المُهم تحديد ضوابط التقيّة من الدين لا الاستذواقات؛ فيُبنى على لزومها لمُجرد الفرض بأنّ في تركها سببٌ لقتل من لا ذنب لهم، يقول الإمام الصادق عليه السلام: «للتقيّة مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له». (الكافي، ج٢، ص١٦٨). وبالرجوع للروايات نَجد أنّ الأئمة الطاهرين عليهم السلام قد حددوا جملة من تلك الضوابط، عُمدتها:
- عند الضرورة، فهي رخصة لا عزيمة، يقول أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به». (وسائل الشيعة، ج١٦، ص٢١٤).
- أولوية حفظ الدين على النفس، فلو كان في هلاك الرجل حفظ الدين وتقوية دعائمه؛ فتقديم النفس هو الأولى بل الأوجب، بل حتى وإن كان في ذلك هلاك جماعة من المؤمنين في سبيل حفظ الدين، ويكفيهم فخراً أن يُقال لهم شُهداء!
- المورد الثاني: مَصلحةُ المُتدين أم الدين أولى وأعز؟
ليست الشريعة ناظرةً إلى مصلحةِ المُتدين بدرجة الاهتمام والرعاية كما هي ناظرةً إلى مصلحة الدين، والعكس بالعكس. فالمصلحة بالدرجةِ الأولى هي الدين؛ فلو كان اندراس الدين وانكساره في الاتقاء فلا تقيّة، نعم؛ تتحقق الرعاية والتأمين الديني للمُتدين إذ كانت مصلحة الدين في بقائه، وفي هلاكه انكسار الدين وضلال المؤمنين.
يقول السيّد الخوئي في التنقيح: «وإذا كانت المفسدة المترتبة على فعل التقية أشدُ وأعظم من المفسدة المرتبة على تركها، أو كانت المصلحة في ترك التقية أعظم من المصلحة المترتبة على فعلها، كما إذا علم بأنه إن عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق، واندراس الدين الحنيف، وظهور الباطل، وترويج الجبت والطاغوت، وإذا ترك التقية ترتب عليه قتله فقط، أو قتله مع جماعة آخرين، ولا اشكال حينئذ في أن الواجب ترك العمل بالتقية، وتوطين النفس للقتل، لأنّ المفسدة الناشئة عن التقية أعظم وأشد من مفسدة قتله.. ولعله من هنا أقدم الحسين عليه السلام وأصحابه رضوان الله عليهم على قتال يزيد بن معاوية عليهما اللعنة وعرضوا أنفسهم للشهادة، وتركوا التقية عن يزيد لعنه الله وكذا بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بل بعض علمائنا الأبرار قدس الله أرواحهم وجزاهم عن الإسلام خيرا كالشهيدين وغيرهما». (بحث الطهارة لآية الله الخوئي، ج٤، ص٢٥٧).
ولذا نَجدُ بأنَّ جمعاً من أصحاب الأئمة الطاهرين عليهم السلام قد بَذلوا مُهَجهم في سبيل إحقاق الحق، ونصرة الدين.
فدونكَ شاهداً على ذلك؛ عمرو بن الحمق، وحِجر بن عدي، وميثم التمّار، ورشيد الهَجري، وقنبر خادم أمير المؤمنين عليه السلام، وأضرابهم -عليهم الرحمّة والرضوان-، الذين مضوا على دربّ الشهادة في سبيل إحياء الدين وإظهار الحق، أكانت أحاديث التقيّة -رغم مُلازمتهم التامّة للأئمة الطاهرين- خافيةً عنهم؟ لا والله! بل لأنهم فهموها من أربابها، وعرفوا مواضعها!
خذ ميثماً التمّار نموذجاً لمن جهر ولم يخفق أو يتخلخل وتبرأ بلا تقيةٍ، بل صارَ ثابتاً عزيزاً؛ فجرى مدحه على لسان الأئمة الناطقين عن الله، فنجد إمامنا حيدر عليه السلام يقول له مُبشراً بعد أن عرض عليه صياغة قتله: «يا ميثم، إذاً تكون معي في درجتي!»، وعن محمد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «ما منع ميثم رحمه الله من التقية؟ فوالله لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه
"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"». (الكافي، ج٢، ص٢٢٠).
وإلى سنة المائتين وما دون نَمضي؛ حيثُ نجد هناك جملةً من أعلام وكبار العلماء الذين وصلنا الدين منهم، قد ألّفوا وخطبوا في ثلب وإظهار معائب رموز أهل الضلال والمنكر جهرةً دون خوف، فذاك هو الشيخ الفقيه المُحدّث المُفيد -عليه الرحمة والرضوان- الذي كان في وسط تُقطّع فيه أشلاء الشيعةِ، ويسجنون ويُعذبون، هناك حيث بغداد ونواحيها، لم نجد منه تورعاً في الكفّ عن ثلب رموز الضلال، بل نجد مؤلفاته تزخر بذلك، كالجمل الذي قرر فيه إجرام الخارجين على أمير المؤمنين عليه السلام، والكافئة، وشرح المنام!
مروراً منه إلى المجلسي الذي نجدهُ قد سطّر أجزاءً سُميت بـ(المطاعن) ضمن سلسلته الموسوعية ”بحار الأنوار“، فلا نجد مُستنكراً على فعلتهِ، ومتجرءاً على صنيعته!
أليس من الأولى توجيه التهمّة والمذمّة إليهم؟ أليس الشيعة يقتلون على جرّاءِ إخراج أمثال المفيد، والمجلسي لمثل هذه الروايات؟
وأفإن كُنّا نُحمّل دماء الشيعة بسبب جهرنا بالبراءة وإظهار مثالب الأعداء؛ أفذنبنا برقبة المفيد والمجلسي والكركي والعلماء الذين خرّجوا هذه الأحاديث الطاعنة؟! فما نحن إلا نُقّال!
لكن من يُريد للدين السيادة والقيادة والتطلّع والإعزاز لا بُدّ أن يَلقى إثر سعيه الخسائر، ولا بأس بها إن كانت المَصلحة لنا؛ فلكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه!
فبإيجاز نقول؛ إنَّ الدين لا يفدينا بل نحن الذين نفديه!
- المورد الثالث: مدى صلاحيّة روايات التقيّة
ليست التقيّة سوى استراحة مُحارب! فتكليف المؤمن هو التبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملاً بالأصل، والمستثنى يلجأ إليه لدرء الضرر المُتوقع، ويكمل بعدئذ مواصلة مشروعه الدعوي التبليغي جهرةً، والسعي إلى رفع الأحكام الثانوية الترخيصية هو الأولى، فنجد في دعاء زمن الغيبة أنّ الإمام يسعى لرفع التقيّة لا إبقائها حيث يقول: «واجعلنا يا ربِّ.. ممن لا حاجة له به إلى التقية من خلقك»!
وإنّ غايةَ ما نذهب إليه هو عدم جواز استعمال التقيّة إلا بعد تحقق موضوعها وشرائطها، وحيث أنّ الغالب إجمالاً في زماننا هذا هو انتفاء موضوعها وشرائطها؛ يلزم من ذلك العمل بأصل التكليف وهو التبليغ بالجهر العلني.  
- المورد الرابع: واقع التجربة يعذرنا عن التوقّف!
إنّ واقع التجربة والمزاولة أكّد ما نُقرره بشأن التقيّة والجهر بالبراءة؛ حيثُ نجد وتجدون أنّ عدد المتشيعين يمتاز عن سابقته، وفي تزايد مُطّرد يمتاز كماً وكيفاً في نتائجه عما حققته الاتجاهات والمناهج الدعوية الأخرى، وعدد المُتبصرين في الدين أجلُّ وأعظم؛ وذلك لأنّ الصراحة والمُصادمة من شأنها أن تؤدي إلى الجذب للمُطالعة، وتجعل قلوب المُرتابين تهوي إلينا، كون أنّ المعالم صارت واضحة!
دع عنكَ المُتشيعين والمُستبصرين -مع ضرورة حمل همّة الدعوة إلى التشيّع-، إنّ الواقع يَكشف لنا أنّ أمر الثلب والقدح بأعداء الله باتَ أمراً عادياً مألفوفاً عند القوم، حتى صارت القنوات الفضائيّة البكريّة تُناقش هذه المَلفات بالأخذ والردّ، فهل نرى لذلك سابقةً قبل طفوق صوت الجهر بالبراءة إعلامياً؟
لسنا الحُكّام وفينا الخصام، لكن واقع تجربتنا أكّد على أنّ الجهر بالبراءة يُخفف من التوتر الطائفي لا عكس ما تُوهِم؛ فحالة الثوران تكون عند بداية الصدمة فحسب، وبعد ذلك نَجدهم يعتادون!


كلبهم الباسط ذراعيهِ بالوصيد
محمد الميل - الكويت
٢٧/ جمادى الأولى/ ١٤٣٦ هـ



(*) الخطبة: http://youtu.be/rZIi1h6akME



    إرسال رسالة  |  التسجيل والإنتساب  |  التبرّ ع والدعم  |  اتصل بنا
      
      00447473518919

      hello@uhorg.com


جميـع الحقـوق محفوظـة © 2018 هيئـة اليـد العليـا