اليد العليا.. من وهنٍ إلى بأس!

من واقع علمي.. أرأيت البيضة كيف كانت وأصبحت؟ من حصن مكنون ذي جلد غليظ رقيق، الصفار يحيطه من الداخل.. إلى روح ذات جسد تحركه القوى الدافعية ويحكم الانضباط أفعال تصرفاته؟
وهل رأيت قطرات الماء كيف تحولت من حال إلى حال؟ من قطرة دقيقة التركيب، سلسة التكوين.. إلى موج عاصف عاتٍ؛ تنهار الجبال الشاهقة منه!
هي أصل نشأة الأشياء هكذا.. تبدأ ضعيفة الهياكل، ركيكة الدعائم، قليلة الموارد.. بمجرد تلقيحها وترويضها بإحكام، تزداد قوتها لتكوّنَ مجتمعاً! من يصدق أنّ البيضة كانت عبارة عن خلية أوليّة لُقحت فبدأت دورة حياتها حتى أصبحت أفراد أفراخ، أو تتجمع مجموعة من القطرات لتكوّن "التسونامي" كابوس الدول والأول!
إنّ نظرية الحياة هي أنْ يبدأ أي فكر دخيل على العرف السائد مستوحشاً وغريباً، يلاقي ضربات الجحود والنكران، ولكن قوية تلك الفكرة التي تواجه هذه الصعوبات وهذه الشعوب المنكوسة رغم المخاطر والبلايا، فكم عانى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله مع من أصروا على البقاء على يهوديتهم ونصرانيتهم وإلحادهم وشركهم؛ لكنه استطاع إثبات جدارة هدفه الذي يرنو إليه بعزيمة صادقة وإرادة فولاذية صلبة غير قابلة للكسر والتهميش والذوبان؛ فاستخدم معهم الحزم واللين، والشدة والرخاء، والقوة واللطف!
منذ حقب طالت سنوات.. نحن تحت أيادي حكومات جعلتنا نخضع ونخضع وكان ومازال أملنا ظهور الإمام المهدي عليه السلام ليبسط فراش دولته المأمولة، ولكنّنا تناسينا أنّ تلكم الحكومات والأحزاب والتيارات والانحرافات ماهي إلا نتيجة إهمالنا، وركاكة موقفنا أمامهم، وذلك لأننا ما استخدمنا أسلوب "الصّك" الذي أَمَرنا به الإمام جعفر الصادق عليه السلام حين قال: «صُكُّوا بِهَا جِبَاهَهُمْ وَلَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ»، لأنه كان يعلم أن التخاذل يهدم حاجز "قف عندك.. واحترم عقلك!؛ فما ينفع معهم إلا أسلوب "الصّك، والإفحام"!
إنّ عملية إزالة وقمع هذه الانحرافات من جذورها تكون بإعداد قوة صارمة لا تخاف في الله لومة لائم، ومن الطبيعي أنْ تكون بداية هذه القوة هي الضعف؛ فتتعرض لعمليات الخذلان والتخوين! لكن كما أشرنا أنه بمجرد ترويضها، وشد حزام الإصرار والعزيمة؛ نكوّن تلك القوة التي نصبوا إليها، ومع مرور الأيام تتحول لتيار لا يتجرأ أي امرىءٍ أنْ يقف أمامه.
إنّ المتتبع لسيرة هيئة اليد العليا يجد أنها بدأت بقسم العهد بذلك، فحملت على عاتقها كل ما ستلاقيه من الجبهات -الداخلية والخارجية- المعادية ولو كان ذلك يتسبب بقتل أعضائها الذين ما انضموا إلا للتضحية تيمنا بما قاله الإمام الكاظم عليه السلام: «قل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإن فيه هلاكك»، فما همّنا كثرة الجبهات التي فتحنها وفتحوها معنا؛ لأننا نستطيب ذلك باعتباره بلاء من الله -جل جلاله-، وجزاء كل حقاني! قال سيد الشهداء عليه السلام: «والله البلاء والفقر والقتل أسرع إلى من أحبنا من ركض البراذين، ومن السيل إلى صِمره، قلت: وما الصمر؟ قال: منتهاه، ولولا أن تكونوا كذلك لرأينا أنكم لستم منا».
إنّ أمامنا طريقاً طويلاً صعباً شائكاً وعراً تحيطه المخاطر، وتطوقه العقبات، وهذا الطريق نحن الذين أشرنا إليه بالبنان لنتبناه؛ فسنستمر ولو تكالبت علينا أمة المشرق والمغرب حتى ننال الشهادة -بإذن الله تعالى- كما نالها الذين يَدينون لنا بهذا الدين الذي نتدين به فالقتل بالسيف في الله أجمل! وكما قال السيّد المظلوم الإمام الشيرازي الراحل حين تركوه وحيداً -قدس سره-: «من كان مع الله فليس بوحيد»! بل إنّ طريق الحق يُلزمك بأن تكون وحيداً كما أشرنا في بداية المقال، فأبي ذر خير مثال لنا.. قال له أمير المؤمنين سلام الله عليه: «يا أبا ذر تعيش وحدك وتموت وحدك وتحشر وحدك وتدخل الجنة وحدك»، وقال عليه السلام: «لا تستوحش طريق الحق لقلة سالكيه»!
لن نكون كأولئك الذين لم يحركوا ساكناً حين رأوا سيّدة نساء العالمين تُعصر بين الباب والحائط، وتُلطم وتُضرب! أو كأولئك الذين خذلوا الحسين عليه السلام حتى قُتل بأبشع قتلة على وجه الكون بأسره؛ فصاحوا وندبوا.. ياليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً! أو كأولئك الذين يعيشون في زماننا هذا.. يصرخون ويصدحون بهيهات منّا الذلة، وقسماً يا زهراء سنثأر، وهم أول الناس خذلاناً لصاحب العصر والزمان عليه السلام، أو كأولئك الذين سيأتون في حين ظهور مولانا بقيّة الله الأعظم فيرفعون شعار الخيبة والحقارة: «ارجع يا ابن فاطمة لاحاجة لنا بك.. إنما نتقي»!
إننّا مازلنا على العهد بقاء، ومازلنا نُغذي أرواحنا وأنفسنا روح الانتقام كما يعلمنا إمامنا المنتظر عليه السلام حين يندب الحسين: «أين الطالب بدم المقتول بكربلاء؟»، فراية اليد العليا ستبقى ترفرف عاليةً مع سكنات وحركات الهواء في السماء؛ حتى يستلمها بقيّة الله الأعظم.

  محمد الميل
٢١ محرم الحرام ١٤٣٤ للهجرة النبوية الشريفة


  • المصدر : http://www.altharrah.com/subject.php?id=9
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015-08-25
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 19