مراجعة كتاب عكازة مستحمر | بقلم شاهد محمد

كتب شاهد محمد ــ الولايات المتحدة الأمريكية

• الكتاب : عكازة مستحمر- شيزوفرينية رجال الدين من النشوء الى الارتقاء.
• الكاتب : محمد الميل.
• الطبعة الثانية 2018، هيئة اليد العليا .
 
ان اول ما يبتدأ به الاستاذ محمد الميل مؤلفه بين ايدينا هو الاية " لا يحب الله الجهر بالسوء الا من ظلم"، فالجهر بسوء القول هو من المكروهات دينيا، الا اذا كان هذا السوء ظلما يستحق "التشهير" به.
لعل اهم ما يحاول الكاتب ايصاله بمؤلفه "عكازة مستحمر"، هي فكرة لطالما دافع عنها العديد من المفكرين العرب الذين طالهم الكثير من السوء – بما في ذلك المؤلف نفسه- جزاء ذلك، مثل فرج فودة، علي شريعتي، عبد الله القصيمي...، و مضمون الفكرة ان مشكلنا الاساسي هو مع رجال الدين، او من يمسهم الكاتاب بتجار الدين، و السبيل الوحيد للخروج من مستنقع الجهل و التخلف و التعصب الديني، هو بفصل الدين عن الدولة، و قطع التبعية الشعبية الجارفة ل"بعض" المؤسسات الدينية، التي اصبح دورها يقتصر على اخراج فتاوى و احكام دينية عنصرية و اقصائية، تصل الى حد التحريض على الاجرام.
ان القرائة الاولى للكتاب تظهر لنا و بشكل جلي عددا من العوامل الشخصية التي دفعت الكاتب الى وضع مؤلفه، و هو المحكوم في بلده الكويت بعشر سنوات سجنا بسبب ارائه "الهدامة" مما دفعه الى التماس الامن في بلاد الكفر كما يقال، الا انه، و احتراما للمنهج التحليلي الاستقرائي في وضع هذه المراجعة، سنتجنب الخوض في العوامل الشخصية و النفسية وراء الكتاب، و لربما نترك تحليلها لمناسبة اخرى.
بعد الاهداء و التوطئة، تم تقسيم كتاب "عكازة مستحمر" الى 9 فصول، سنحاول الخوض في بعض من مضامينها الاساسية بما يتناسب و الحيز المتاح لهذه المراجعة، ففي فصل سماه المؤلف "ازياء لا اكثر"، يثير انتباه القارء الى العديد من المفارقات و التناقضات التي يقع فيها العامة، و منها الاتباع الاعمى لرجال الدين و الكهنة، الذين جعلو الدينة سلعة يتاجر بها، يدعمهم في ذلك احتيالهم على العوام من الناس بازياء و البسة تضفي الوقار و الاحترام، و تعوض نقصهم المعرفي و ضعف حجتهم و تستر زلاتهم و مساوئهم.
"هم اشبه ما يكون بكرة هوائية، كلما انتفخت ازدادت كبرا و حجما" هكذا يصف الكاتب رجال الدين، الذين نال منهم الكبر و الغلو قدرا اصبحو معه يتخذون كل اسباب الجاه و المكانة، فيسرد الكاتب في فصل "فقيه الكل شيئ" كبف ان رجال الدين، و بسبب ما نالهم من العجرفة بسبب احترام و تصديق العامة لهم، و انطلاء اكاذيبهم عليهم، اصبحو عالمين بكل شيئ، فالفقيه هو عالم بكافة العلوم، و مستعد للادلاء بدلوه في كل نازلة، على الرغم من جهلهم في اغلب الاحيان بابسط مداخل علم الاجتماع او السياسة، وفي بعضها بادنى قواعد النحو و الصرف.
ولعل ابرز ما يمكن استنباطه من هذا الكتاب، هو الانتباه الى ظاهرة الفصام او الشيزوفرينيا التي تكاد تصيب اغلب رجال الدين اينما كانو، فالكاتب يعتبر ان رجل الدين يسعى دائما لتلميع صورته اما تلامذته و اتباعه و العوام من الناس، ليظهر بمظهر المتزن التقي الورع، لكن شخصيته المزيفة هذه تسقط فور ما يجد الحاجة غير ماسة لها، لتظهر طباعه الحقيقة و تصرفاته الاصلية، و هو ما يحدث مع عدد من المعممين و الكهنة و الشيوخ الذين ينقلبون انقلابا كليا فور ما يجدون انفسهم في بلد غير بلدهم، و مع محيط غير محيطهم، لا يلزمهم باتخاذ اسباب الورع الزائف و السمت المصطنع.
و ان كان الكاتب يستهدف من كلامه و نقده الوسط الشيعي بشكل خاصة، الا ان القياس على امثاله من الاوساط الدينية الاخرى جائز و صحيح بشكل غريب احيانا، فمختلف الاوساط الدينية و الاتجاهات الطائفية، و برغم عدائها الصريح لبعضها في معضم الاحيان، تنخرها نفس سمات الانحراف و الغلو و الاصطناع، و تطالها مختلف صفات المتاجرة بالدين.  
الا ان الكاتب في فصله الخامس من الكتاب، المعنون "تجار الدين.. استبداد لتعويض النقص"، قد استهدف في كثير من كلامه العراق على وجه الخصوص، يقول " اني لا اعلم لم كثير من الشعب العراقي مصاب بعقدة النقص و الدنيئة، انهم يشعرون بحقارة داخلية، فلا يلبث الواحد منهم ان يستلم زمام سلطة ولو على نفر معدد الا و فجر بحكمه و تفرعن"، و ان كانت الاشارة تجب مجددا اننا لن ندخل في ذكر العوامل الشخصية و النفسية الدافعة بكاتب المؤلف بين ايدينا الى اتخاذ عدد من المواقف، فاننا سنقتصر على المراجعة الحرفية لما ورد في الكتاب، و لعل الكاتب يقصد بكلامه ذلك ان معضم المتدينين و العوام من اتباع تجار الدين -في العراق و غيره-، و الذين تنطلي عليهم اساليبهم و خدعهم-بما في ذلك رجال الدين انفسهم-، يجدون في الاستبداد و التسلط و الظلم و التملق ملاذا لتعويض النقص و و ضعف الحجة.
ان المقام لا يسعنا للوقوف على مختلف الافكار التي تطرق اليها كاتبنا في المؤلف قيد المراجعة، الا ان القارء للكتاب سيلحظ تذكير الكاتب المستمر بالعواقب الوخيمة التي قد تناله جراء اتمام هذا المؤلف، وهو ما ما يتبث بُعد دولنا العربية و الاسلامية عن "حرية التعبير" و "حرية المعتقد"، و غيرها من القيم الغربية العلمانية السافرة الفاسقة الدخيلة على مجتمعاتنا، كما يحلو لبعض تجار الدين تسميتها.


هذه المقالة تعبِّر عن رأي كاتبها فقط.


  • المصدر : http://www.altharrah.com/subject.php?id=342
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018-11-23
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 19