إلى الطليعة والريادة نَمضي

إنّ تعمير المؤسسات الدينية وتشييدها يكون بانطلاقها من أرضية غير ركيكة، بل صلبة جاهزة للإقلاع، لذا نجدُ أنّ كثيراً من المؤسسات والتيارات الدينية قد تلاشت مع مرور الأيام، ذلك لأنّ الأرضية التي انطلقوا منها كانت ليّنة ركيكة غير صلبة، وغير مدعمة بالتميّز والبروع، بل أنّها خُضِّبت بالكلاسيكيةِ الممقوتة المُعتادة، وكان البدء من غير هدفٍ ولا رسالة!
والعجيبُ أنّ ذلك بات جليّاً؛ حيثُ نجد دائماً وأبداً أنّ هذا النوع من المؤسسات ينمو لفترةٍ فيندثر، ويأتي بعده من يحمل ذات النهج فيفنى بعدئذ، وهكذا!
ولعلّ الذي يميّز هيئة اليد العليا -والسائرين على هذا الخط- عن غيرها من المؤسسات والمراكز الدينية هي أنها تتبنى نهجاً ذا وجهةٍ تقدميّة تَطلعيّة، والتقدميّة هي صبغةٌ تُطلق على الذين يرون في قرارة أنفسهم أنّ النهوض بهذه الأمة من حَضيض المستوى -الآني- وصولاً إلى أمة الكفاية والوقاية من الضروريات المرغوبة.
وحيثُ ذاك هو تطلعها، لا بُدّ من نضال وكفاح وإرادة لتهيئة جماهير مُعبأة للتحرّك، وليس المُراد هو أن نحمل هذه الأفكار التطلعيّة ونجعلها في طي التفكير -أي الأحلام- فحسب، بل إنّ الذي يريد إنجاز تلك التطلعات والرغبات فعلاً هو ذاك الذي يسعى بالنضال والصراع.
لذا نجد في وسطنا الديني أنّ الطبقات والاتجاهات الدينية الدعوية تنحصر في اثنتين:
الأول؛ هو ذلك الاتجاه "الكلاسيكي" التقليدي الاتباعي -وهو المُكتسح-، الذي تَضلّعَ بالانحصار في مجالهِ على نحو إقامة المجالس الحُسينية، وإطعام الصائمين في شهر رمضان، وكفالة الأيتام ونحو ذلك.
أما أصحاب الاتجاه الثاني؛ فهو ذلك الذي يَحمل شَجَن التشيّع والشيعة، ويسعى جاهداً نحو الريادة والتطلّع والارتقاء والعلو، والنقلة النوعية، مع أنّ مطالب الاتجاه الأول مطلوبة كذلك فيه دون الإلغاء لها.
لذلك نجدُ أنّ أًصحاب الاتجاه الأول سريعو الانحسار والتقهقر بعد رحيل القائمين عليها، ولعلّ الحصيلة التي يجنونها بعد عمل يطول سنوات؛ هو هداية من لا يتعدون عدد أصابع اليدين!
وأما الثاني؛ فحصيلة عملهم دائماً ما تكون مُثمرة عالية، فنرى أنّ المُستبصرين والمُتأثرين به أكثر من الأول رغم قِصر سنوات العمل!
والمُلاحَظ أنّ أصحاب الطبقة الأولى هم أكثر كمّاً، فالذي في ركبهم سوادٌ مكثّف، مع ذلك كما أسلفنا بالقول -قليلو الإنتاج والإثمار-!
وأما أصحاب الطبقة الثانية؛ نرى أنهم عادةً غيرُ مرغوبين، وعدد العاملين فيها بخس قليل!
فالأول؛ هم أصحاب إضافة الكميّة العددية، والثاني؛ هم أصحاب إضافة النوع والتغيير والتقدّم.
لذلك نجد أنّ من عموم المنطلقات التي تبتغيها هيئة اليد العليا وجنود المولى بصورة كُليّة؛ هو ما أقرته الهيئة في وثيقتها الصادرة بعنوان "نحو مجتمع خاضع لآل محمد عليهم السلام" والذي تضمّن البند التالي: -التطلّع نحو القيادة، وإلى باكورة التميّز، والكفاءة المحليّة والعالميّة في شتّى المجالات.
وإنَّ العمل الثقافي جزء مهم في تحقيق هذا الهدف؛ حيث أنّ الأمة تحتاج إلى المزيد من الوعي، وإلى تصحيح للثقافة المُلتويّة التي تمتلكها!
ولكن هذا العمل لا يُثمر إنْ لم تواكبه حركة تعبويّة تمارس الجهاد الفكري؛ حتى لا يبقى مخملياً غير بنّاء!
فلذا؛ علينا السعي نحو الدراسّة المكثفة في كيفية استقطاب تلكم المجتمعات إلى تلك الثقافة التي ندعوهم لها؛ لتحقيق هذا التطلّع، فهي كالسلعةِ يحتاج من يُتقن تسويقها.
وعلى العاملين أن يجعلوا تلك الكلمات الثلاثة التي نطقَ بها السيّد رضا الشيرازي -رضوان الله عليه- نَصب أعينهم لتحقيق ذلك "الإنجاز.. التحدي.. التفوّق".

محمد الميل
٣٠ من شهر ربيع الآخر ١٤٣٦ هـ.

 


  • المصدر : http://www.altharrah.com/subject.php?id=16
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015-08-25
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 11 / 21